طلال نحلة
التقرير الاستراتيجي والعملياتي (الخميس - 26 مارس 2026 | نهاية اليوم الـ 27 للحرب):
نختتم اليوم السابع والعشرين من الحرب على مشهد سوريالي؛ ترامب يُمدد المهلة ويتوسل المفاوضات مدعياً الانتصار، بينما تحترق إسرائيل في "مسلخ دبابات" غير مسبوق تاريخياً بجنوب لبنان (85 ميركافا في يومين!).
لكن خلف هذا الغبار، وخلف التخبط الإعلامي لترامب، تبرز حقيقة استراتيجية أعمق: ما تفعله واشنطن ليس فوضى عشوائية، بل هو "هندسة أزمات" تهدف لضرب الأطراف (إيران، روسيا، فنزويلا) لحرمان المركز (الصين) من شرايين الطاقة الرخيصة التي تبني عليها تفوقها القادم.
إليكم القراءة البانورامية الشاملة، التي تفكك شيفرة الميدان والسياسة في هذا اليوم الاستثنائي:
أولاً: ملحمة الجنوب اللبناني.. 29 ميركافا و"عقدة القنطرة"
اليوم الأسود لسلاح المدرعات الإسرائيلي: سجل حزب الله بالأمس استهداف 54 دبابة ميركافا، رقماً خيالياً سيدخل الأكاديميات العسكرية. عبر 70 بياناً، أعلن الحزب تدمير 29 دبابة ميركافا وجرافة D9 في يوم واحد! (المجموع الكلي للحرب وصل إلى 103 آليات وطائرات، بينها 85 ميركافا).
مثلث الموت (القنطرة - دير سريان - الطيبة): تركزت "المفرمة" في هذا المثلث الاستراتيجي، حيث أثبت الحزب احترافية عالية في الاستدراج. قادة إسرائيل (مثل سموتريتش الذي صرخ بوجه رئيس الأركان) يدركون أن "حزب الله هو من يدير المعركة"، وأن القوات البرية تُباد ببطء قاتل (مقتل جنديين وإصابات بالجملة).
رد فعل نتنياهو: أمام هذا العجز، يهرب نتنياهو إلى التدمير العشوائي والمطالبة بـ "منطقة عازلة" أعمق (8 كم)، لكن رئيس بلدية كريات شمونة يفضحه: "الدولة تحاربني، لم يبق سوى 10 آلاف نسمة ولن يبقى أحد قريباً".
ثانياً: مسرحية ترامب و"الـ 10 أيام".. التفاوض مع الذات
تمديد المهلة: ترامب أعلن تعليق ضرب محطات الطاقة حتى 6 أبريل بحجة "أن المفاوضات تسير بشكل جيد". هذا الإعلان قوبل بسخرية لاذعة من طهران؛ مصدر بالخارجية الإيرانية نفى أي طلب للتأجيل، والمتحدث باسم خاتم الأنبياء قالها صراحة: "مستوى صراعاتكم الداخلية وصل إلى حد التفاوض مع أنفسكم".
لماذا التأجيل؟ واشنطن لم تُؤجل حباً بالسلام، بل لسببين:
استكمال نشر القوات (اللواء القتالي من الفرقة 82 وصل اليوم ليكون طليعة القوة البرية).
رعب الحلفاء: دول الخليج (كما أوردت الواشنطن بوست) ترفض "اتفاقاً مستعجلاً" يتركها مكشوفة، لكنها في ذات الوقت ترتعب من ضرب إيران للطاقة. ترامب يشتري الوقت لمحاولة إرضاء حلفائه الغاضبين (الذين أساء لهم بذكر المليارات التي أخذها منهم).
ثالثاً: الاختراق الإيراني والتحول الجيوسياسي (اتحاد بلا أمريكا)
صدمة السايبر: هآرتس تكشف أن إيران وحزب الله اخترقا كاميرات المراقبة في إسرائيل لتحسين دقة الصواريخ وتنفيذ اغتيالات (هذا يفسر دقة استهداف مبنى الشاباك ووزارة الحرب أمس).
إعلان "مبدأ طهران": المتحدث باسم "خاتم الأنبياء" أطلق دعوة تاريخية للعالم العربي: "حان وقت إقامة اتحاد أمني دون الولايات المتحدة وإسرائيل". إيران تستثمر الفراغ والهزيمة المعنوية الغربية لتقديم نفسها كـ "ضامن وحيد" لاستقرار المنطقة والطاقة.
رابعاً: التحليل الاستراتيجي الأعمق.. "لعبة تفكيك الصين"، السياسة الأمريكية هنا ليست عشوائية بالكامل:
حرمان التنين من الطاقة: إشعال جبهات (أوكرانيا ضد روسيا، الشرق الأوسط ضد إيران، وعقوبات فنزويلا) يهدف في جوهره إلى "تفكيك العالم الذي يجعل الصين قوية". النفط الإيراني والروسي الرخيص كان "الخصم المخفض" الذي بنى عليه التنين الصيني تفوقه الصناعي.
فخ التزامن: واشنطن تحاول منع "تزامن" الحروب (حتى لا تقاتل روسيا والصين وإيران معاً)، لكن غطرستها قد تؤدي لنتيجة عكسية. استمرار الحرب في هرمز واستنزاف الصواريخ الأمريكية (كما حذرت الفاينانشيال تايمز تايوان) قد يُغري الصين باتخاذ خطوة حاسمة قريباً، خاصة أن أمريكا تفقد صواريخ الـ "توماهوك" والـ "باتريوت" في رمال الشرق الأوسط.
القاذفات (استعراض القوة): انطلاق 3 قاذفات (B-1B) وتجهيز (B-52H) بصواريخ JASSM من بريطانيا اليوم هو استعراض نيراني لمحاولة إجبار إيران على الخضوع لـ "الهدنة" التي تخدم هندسة الوقت الأمريكية، لكن طهران ترد بالصواريخ الباليستية.
الخلاصة والتقييم النهائي:
نحن في "حرب كسر الزمن، لا كسر الحدود":
الولايات المتحدة وإسرائيل: تلعبان على شراء الوقت. إسرائيل تُدمر في لبنان وتُقصف في تل أبيب، وترامب يُرسل الفرقة 82 كـ "ورقة تفاوض بالنار" ليفرض شروطه قبل 6 أبريل، آملاً في تأديب إيران دون التورط في حرب شاملة قد تدمر فرص حزبه في الكونغرس وتُسعد الصين.
محور المقاومة: يدير "الزمن" لصالحه. تدمير 29 دبابة في يوم واحد، وإبقاء هرمز مغلقاً (إلا للصين والهند)، ورفض التفاوض المجاني، يُثبت أن إيران تدرك أن "أخطر وهم هو أن تعتقد أمريكا أنها قادرة على ضبط التوقيت".
النتيجة المتوقعة:
تمديد ترامب للمهلة هو بمثابة "مخدر موضعي" للأسواق. لكن مع وصول الفرقة 82 واستمرار القاذفات في التحليق، يبدو أن واشنطن تحضر لـ "عملية موضعية دقيقة" (ربما إنزال خاطف أو ضربة استراتيجية محدودة) لفرض أمر واقع قبل 6 أبريل. وإذا حدث ذلك، فإن رد طهران سيكون، كما حذرت، تدمير البنية التحتية للطاقة بالكامل، مما سيحول "استراتيجية احتواء الصين" الأمريكية إلى "كارثة انهيار كوكبي".